السيد محمد تقي المدرسي
37
من هدى القرآن
والرطب ، وربما سمي طلعها لطلوعه بما يشبه طلوع الهلال ، أو لأنه أول ما يطلع من الثمر . [ 66 ] ولأن أصحاب النار يشعرون بضراوة الجوع ولا يجدون ما يأكلون ، فإنهم يأكلون طلع الزقوم وثمرها . فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ كما ملؤوا بطونهم بالحرام في الدنيا . [ 67 ] وبعد الأكل من الزقوم يحسُّون بأشد العطش ، فيطلبون الماء فيشربون السوائل الحارة ليطفئوا حرارة النيران التي أكلوها ، وإذا بها تزيدهم عذابا إلى عذابهم ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ وفي الرواية : ( . . . فيستسقون فيسقون شربة من الماء الحار الذي بلغ نهايته في الحرارة فإذا قربوها من وجوههم شوت وجوههم فذلك قوله : يَشْوِي الْوُجُوهَ فإذا وصل إلى بطونهم صهر ما في بطونهم ) « 1 » . [ 68 ] إنهم يتصورون الماء الذي يطلبونه سوف يخرجهم من هذا العذاب والاحتراق ولكنه ينتهي بهم إلى ذات العذاب . ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإٍلَى الْجَحِيمِ ولعل هذه الحالة من النهم إلى الزقوم والحميم في النار تجسيد لنهمهم في الدنيا بأكل أموال الحرام ، ومداومة الشراب الحرام ، أعوذ بالله منهما . [ 69 - 70 ] وفي النهاية يُصرِّح السِّياق بالضغط التأريخي ، الذي يتسبب في إضلال الكثير من الناس . إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ وكان يفترض فيهم أن لا يتبعوهم بل يبحثوا عن الحق ، وتوجهنا الآية إلى ضرورة المسيرة الواعية في حياة الإنسان ، حيث ينبغي له أن ينظر ويفكر فيها ، فيلتزم الحق عن وعي لا عن وراثة وعادة ، ثم ما يدري الفرد أو المجتمع أن مسيرته خاطئة ، والله يقول : فَلْيَنْظُرْ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ [ عبس : 24 ] . أي إلى غذائه الجسمي والروحي ليتأكد من سلامته ، ولكن هؤلاء لم يتعبوا أنفسهم في البحث عن الحق ، إنما اتبعوا الآباء وتأثروا بهم . فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ ولم يقل القرآن يهرعون ( بالفتح ) ، لأن حركة الإنسان باتجاه التقليد ليست حركة إرادية بصورة كاملة ، إنما هي مجموع دوافع ذاتية ، وضغوط خارجية من الآخرين ، والآية تُبيِّن الضغط الذي يمارسه الآباء على أبنائهم لكي يتبعوهم . فعلى الإنسان إذن أن يقطع السبب المباشر ، فهو إذا لم يتأثر بذروة الضغط التأريخي المتمثلة في الآباء فلن يتأثر بالجيل السابق ، وإذا لم يتأثر بذروة الضغط الاجتماعي المتمثل في الأقران فلن يتأثر بالمجتمع المعاصر ، والترفع عن هذه الضغوط ، هو الذي يسمو بالإنسان إلى الخلوص التوحيدي .
--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 8 ، ص 257 .